صديق الحسيني القنوجي البخاري

427

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال مجاهد : هدى الإنسان لسبيل الخير والسعادة والشقاوة ، وروي عنه أيضا أنه قال : قدر السعادة والشقاوة وهدى للرشد والضلالة ، وهدى الأنعام لمراعيها وقيل قدر أرزاقهم وأقواتهم وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنسا ، ولمراعيهم إن كانوا وحشا . وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له وقيل خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها ، وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر ، وأقل وأكثر ثم هداه للخروج من الرحم . قال الفراء أي قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بأحدهما . وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا والأولى عدم تعيين فرد أو أفراد مما يصدق عليه قدر وهدى إلا بدليل يدل عليه ، ومع عدم الدليل يحمل على ما يصدق عليه معنى الفعلين إما على البدل أو على الشمول ، والمعنى قدر أجناس الأشياء وأنواعها وصفاتها وأفعالها وأقوالها وآجالها ، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له ويسره لما خلق له ، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه . ولما ذكر ما يختص بالناس أتبعه بما يختص بالحيوان فقال : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى صفة أخرى للرب أي أنبت العشب وما ترعاه الدواب والنعم من النبات الأخضر . فَجَعَلَهُ غُثاءً أي فجعل المرعى بعد أن كان أخضر هشيما يابسا جافا باليا كالغثاء الذي يكون فوق السيل ، وفي القاموس الغثاء القماش والزبد والهالك البالي من ورق الشجر ، قال قتادة الغثاء الشيء اليابس ، ويقال للبقل والحشيش إذا انحطم ويبس « غثاء » وهثيم ، قال الكسائي غثاء حال من المرعى أي أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري فجعله غثاء بعد ذلك . أَحْوى أي اسود بعد اخضراره ، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسود ، والأحوى مأخوذ من الحوة وهي سواد يضرب إلى الخضرة ، وقيل خضرة عليها سواد ، وفي القاموس الحوة سواد إلى خضرة أو حمرة إلى السواد ، حوى كرضى حوى ، قال في الصحاح والحوة أي بالضم حمرة الشفة ، قال ابن عباس غثاء هشيما أحوى متغيرا ، وقال ابن زيد وهذا مثل ضربه اللّه للكفار بذهاب الدنيا بعد نضارتها . سَنُقْرِئُكَ أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة ، والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى اللّه إليه حينئذ وما سيوحي إليه بعد ذلك ، فهو وعد باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء فَلا تَنْسى ما نقرأه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته صلى اللّه عليه وآله وسلم الخاصة به بعد بيان الهداية العامة لكافة خلقه ، وهو هدايته صلى اللّه عليه وآله وسلم لحفظ القرآن وتلقي الوحي ، وهدايته للناس أجمعين .